الأخبار

الجيش يلوح بالتوجه لروسيا في مواجهة التجاهل الغربي.. السودان إلى أين؟

بين اهتمام متأخر تبديه واشنطن بالأوضاع في الخرطوم وسط تقارب الجيش مع روسيا رداً على التجاهل الغربي، يصبح السؤال إلى أين تتجه الأمور في السودان؟

منصة أسباب المختصة بالتحليل السياسي والاستراتيجي نشرت تحليلاً يتناول تلويح الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان بالتوجه شرقاً، نحو روسيا، رداً على التجاهل الغربي، أو النظرة الأمريكية العامة لما يجري في البلد الذي تمزقه الحرب.

روسيا تريد منفذاً على البحر الأحمر

عضو مجلس السيادة الانتقالي ومساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية، ياسر العطا، أعلن يوم 25 مايو/أيار الماضي، أن موسكو طلبت من الخرطوم منحها نقطة تزود بالوقود في البحر الأحمر مقابل توفير أسلحة وذخيرة، وأن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، سيوقع على الاتفاقيات المنظمة للطلب الروسي قريباً.

جاءت تصريحات العطا بعد أقل من شهر على زيارة وفد روسي بقيادة ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي والمبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى مدينة بورتسودان، والتي عرض خلالها تقديم دعم عسكري روسي للجيش السوداني، مقابل المضي في بناء قاعدة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر سبق الاتفاق بشأنها مع الرئيس السابق عمر البشير.

كما أعلن بوغدانوف خلال الزيارة أن بلاده تدعم سيادة السودان والشرعية القائمة فيه وترفض التدخلات الأجنبية به.

ماذا يريد الجيش السوداني؟

يفتقر الجيش السوداني لحليف دولي غير متذبذب في تقديم الدعم، حيث عجز عن حسم المعركة مع قوات الدعم السريع حتى في العاصمة الخرطوم. وضمن هذا السياق أعادت الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، وحصلت على طائرات مسيرة ساعدت في حسم معركة أم درمان.

لكن إيران تتلمس خطاها بحذر في السودان في ضوء تجربتها السابقة أثناء عهد البشير، والذي قطع علاقاته معها بعد انخراطه في عاصفة الحزم وتلقيه مساعدات اقتصادية من الرياض وأبوظبي.

ففي أبريل/نيسان 2016، قطع السودان العلاقات مع إيران، ضمن مناورة إقليمية قام بها الرئيس السوداني وقتها عمر البشير لإعادة التموضع بينما كان المحور السعودي الإماراتي في ذروة اندفاعه الإقليمي، وهي مناورة تضمنت أيضاً تعزيز العلاقات مع نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وعقب عزل عمر البشير، واصل قادة الجيش السوداني نفس النهج الإقليمي، بل وبدأوا مسار التطبيع مع إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2020. ثم جاءت عودة العلاقات السودانية الإيرانية بعد نحو 8 أشهر من اندلاع المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، والتي تسببت في تدهور علاقات الإمارات مع قادة الجيش على خلفية دعم أبوظبي الواسع لقوات الدعم السريع.

في الوقت نفسه، يتعرض الجيش السوداني لضغوط غربية للتفاهم مع الدعم السريع باعتبارهما مؤسستين متنازعتين، وليس وفق رؤية الجيش بأنه يواجه ميليشيا متمردة خارجة عن الشرعية.

في المقابل، تحظى قوات الدعم السريع بدعم عسكري ومالي من الإمارات، ودعم سياسي من دول مجاورة، في مقدمتها كينيا وإثيوبيا. فضلاً عن الدعم الغربي لرئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، وتنسيقية “تقدم” الذين يمثلون الحليف السياسي للدعم السريع.

روسيا حليف محتمل للجيش؟

لذلك؛ تبرز روسيا كحليف محتمل ستساعد العلاقة معها في حصول الخرطوم على أسلحة نوعية، والحد من تعاون قوات فاغنر والدعم السريع، وبالأخص بعد ضم فاغنر إلى الفيلق الأفريقي بقيادة يونس بك يفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي.

كما يمكن لروسيا أن تقدم حماية للجيش السوداني ضد العقوبات الأممية، وسبق أن امتنعت موسكو وبكين عن التصويت على قرار لمجلس الأمن بتمديد فرض العقوبات على السودان في عام 2023، وهو ما قد يتطور إلى استخدام حق النقض “الفيتو” في حال تعزيز العلاقات بين البلدين.

تعكس تصريحات العطا إحباط الجيش إزاء تجاهل الغرب لمصالحه، رغم تبني قادة الجيش، منذ الإطاحة بالبشير، سياسة منفتحة لطي القطيعة مع الغرب والتخلص من إرث البشير، بما في ذلك التطبيع مع “إسرائيل”.

لذلك؛ من المبكر الجزم بأننا إزاء انعطافة في اتجاه علاقات قادة الجيش بالقوى الدولية. فقد تستهدف تصريحات العطا التلويح للغرب بأن التقارب مع موسكو، بعد التقارب مع طهران، خيار على طاولة الجيش من أجل تليين الموقف الغربي والضغط على الإمارات.

هذه لعبة خطرة أدمن نظام البشير استخدامها في علاقاته الإقليمية والخارجية، لكنها أسفرت في نهاية المطاف عن تركه وحيداً دون حليف موثوق. لذا فإن موسكو ستربط تقديم الدعم بالخطوات الفعلية الملموسة التي يقدمها الجيش السوداني دون الاكتفاء بتلقي وعود وتطمينات.

ماذا تريد روسيا؟

يقع البحر الأحمر في قلب استراتيجية روسيا البحرية التي أقرها الرئيس بوتين عام 2022، والتي تولي تركيزاً متزايداً على المحيطين القطبي الشمالي والهادي، بما يجعل روسيا حلقة وصل بينهما ويمنحها دوراً بحرياً دولياً استراتيجياً، وهو ما يتطلب تواجد روسيا بحرياً على خط يشمل البحرين المتوسط والأحمر وباب المندب والمحيط الهندي.

ولذلك؛ فإن مأزق الجيش السوداني يمثل فرصة لموسكو للحصول على موطئ قدم استراتيجي على سواحل البحر الأحمر، وتأمين قاعدة إمداد لوجستية تساعد في نشر السفن العسكرية الروسية في منطقة المحيط الهادئ الهندي، والتي تمثل بؤرة الصراع على النفوذ العالمي خلال العقد القادم. 

التواجد العسكري في السودان، إن تحقق فعلياً، يتكامل مع استراتيجية روسيا في أفريقيا، ويضع موسكو في قلب منطقة حيوية قرب باب المندب الذي يطل على خطوط التجارة الدولية، وبالأخص مسارات شحن النفط والغاز، ما يمنح موسكو تأثيراً على أمن الطاقة الأوروبي على وجه الخصوص، والذي يعتمد على واردات الطاقة من الخليج.

كما سيكفل لموسكو ربط أماكن انتشار قواتها من شرق القارة إلى غربها، بداية من السودان ثم دول الساحل والصحراء، تشاد، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، وحتى السنغال، والتي تشهد تدهوراً للنفوذ الغربي.

وقد زودت روسيا النيجر بالفعل بأنظمة دفاع جوي، و100 مدرب عسكري في أحدث حلقات تمدد نفوذ روسيا في منطقة الساحل. وتهدف روسيا إلى إنشاء ممر تجاري لنقل الموارد الطبيعية، مثل الذهب والنفط والألماس، من منطقة الساحل إلى روسيا عبر الموانئ الليبية، متجاوزة أوروبا.

كذلك يساهم تواجد روسيا العسكري في السودان في تقويض الجهود الأوكرانية لاستهداف المصالح الروسية في السودان، والتي توجت بنشر قوات خاصة أوكرانية في السودان لاستهداف المقاتلين الروس، وذلك بعد لقاء عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة مع الرئيس الأوكراني زيلنسكي في مطار شانون بأيرلندا عام 2023.

هل يفسر هذا تحرك أمريكا الأخير؟

في هذه الأثناء، يتصاعد في السودان جدل سياسي بشأن الدوافع خلف تجدد اهتمام الولايات المتحدة بمحاولة إنهاء الحرب بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، وذلك على خلفية اتصال هاتفي تلقاه رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء 28 مايو/أيار الماضي، من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن.

جاء هذا الاتصال من جانب بلينكن بعد أكثر من عام على اتصاله الأخير، في 21 أبريل/نيسان 2023، تحدثا خلاله عن الهدنة بين الجيش و”الدعم السريع”، ومن حينها تباعدت مواقف واشنطن والخرطوم.

فمنذ منتصف أبريل/نيسان 2023، يخوض الجيش و”الدعم السريع”، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، حرباً خلّفت نحو 15 ألف قتيل وحوالي 8.5 مليون نازح ولاجئ، وفق الأمم المتحدة.

الولايات المتحدة جددت اهتمامها بالخرطوم خشية أن تفقدها لصالح منافسيها الصين وروسيا، لاسيما في ظل موقع السودان الاستراتيجي في أفريقيا، خاصة سواحله على البحر الأحمر، بحسب تحليل لوكالة الأناضول.

فوفق مراقبين، صارت وجهة السودان مغايرة، فلم يعد التقارب مع الولايات المتحدة هدفه الأول، ولم تستطع الأخيرة تقديم ما يقنع الخرطوم بمحاولة إرضاء واشنطن. وخلال عامين قبل الحرب، انخرطت حكومة السودان في خطة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، في محاولة لإرضاء واشنطن وتحقيق أهداف سودانية.

بلينكن

كما ثبُت، حسب المراقبين، أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لا تمتلك ما يكفي من القوة للضغط، أو لا تريد الضغط، على طرفي الحرب لتحقيق ولو سلام مؤقت في السودان. فلم تنجح مفاوضات مدينة جدة، برعاية الولايات المتحدة والسعودية، في تحقيق أي اختراق في الأزمة السودانية، ولو وقف مؤقت لإطلاق النار. وانهارت أكثر من هدنة جرى التوصل إليها في جدة، وسط تبادل للاتهامات بخرقها بين الجيش و”الدعم السريع”، ما دفع الرياض وواشنطن إلى تعليق المفاوضات في ديسمبر/كانون الأول 2023.

وتفيد المؤشرات بحدوث تباعد بين واشنطن والخرطوم، إذ اتجهت الأخيرة إلى روسيا والصين وإيران، وحدث تبادل للزيارات بين المسؤولين. وفي أكثر من مناسبة، شدد مسؤولون سودانيون على متانة واستراتيجية العلاقات مع الدول الثلاث، التي تمتلك ملفات خلافية عديدة مع الولايات المتحدة.